قصة المعلمة الفاضلة

للكاتبة هند الخوري

بعد مرور اسبوع على افتتاح المدرسة ...

وبعد أن خرجت المدرسة " نور " من الصف في طريقها إلى غرفة المدرسات استوقفتها احدى الطالبات ، قائلة لها : 

-آنسة نور أرجو أن أنتقل إلى الشعبة ( الفصل) التي تدرسين فيه ؟

أجابتها المدرسة ببرود : لماذا يابنتي؟  

- لأني أحببتك يا آنسة وأريد أن أكون طالبة عندك .

ضحكت المدرسة نور وردت عليها بود : 

-كل المدرسات خير وبركة يا بنتي لا فرق بيننا ...

الطالبة : ولكن أنا بحاجة إليك ياآنسة " نور " 

-ما اسمك ياشاطرة ؟ 

-أنا : رنا  

-أهلاً يا رنا ، ماذا تريدين مني ؟ 

-أنا راسبة في التاسع ، وقد انسحبت في أثناء امتحان  مادة الرياضيات ، بسبب وفاة أمي ..

وأخذت تحكي لها قصة وفاة أمها ومعاناتها في تربية إخواتها الأربعة ، وخاصة اختها الصغيرة ابنة السنة الأولى ... 

تأملت الآنسة وجه الطالبة الذي بللته للدموع .. فلفها شعور حاد بالحزن ، ورتبت على كتف الطالبة ، وتمتمت بكلمات مواساة رقيقة ، واستدارت لتمسح دمعة اندفعت من عينيها ...

وودعت الطالبة " رنا " وذهبت إلى صفها لأن الفرصة كانت قد انتهت ..


وفي اليوم التالي ، عادت رنا واستوقفت المدرسة ، قائلة بهدوء كالهدوء الذي يسبق العاصفة : 

-صباح الخير آنسة نور. 

ردت عليها بلطف وحب : أهلاً حبيبتي كيف حال اليوم ؟ 

وما إن أتمت المدرسة سؤالها حتى أجهشت رنا بالبكاء ، وقالت لها بكلمات متقطعة مع وقع نشيجها : -آنسة نور ! أختي الصغيرة ابنة السنة مريضة جداً ،ولم أنم طوال الليل ، وقد ذهب أبي بها إلى الطبيب فاشتبه بالسحايا ....

وقفت المعلمة مشدوهة ، ورنا أمامها تنتحب بصوت أليم، والدموع تتدحرج على وجنتيها المتوردتين ... 

أجابتها المعلمة مواسية : بسيطة ، بسيطة يا ابنتي إن شاء الله خير ولا تحزني .. واطمئني ، هذا مرض بسيط ، أصبح له دواء ..لا تخافي ستشفى بإذن الله.  

راحت المعلمة تحدت نفسها وفي أعماقها تقول كيف سأخفف عنها يا ربي عن هذه الفتاة ؟! كيف أحمل عنها جزءاً من هذا الحمل الثقيل عليها ؟!  

أعطتها بعض المناديل قائلة ً : 

-والآن امسحي دموعك يا رنا واذهبي إلى الصف لقد بدأ الدرس .

رنا بتوسل : آنسة نور أريد أن أنتقل إلى شعبتك أرجوك  !!

- لا لا يمكن الآن يا رنا ، لأن الانتقال ممنوع الآن، وتأكدي أني لن أتوانى عن مساعدتك ،وسأكون بجانبك بكل ما تحتاجينه .

 وقبل أن تستدير المدرسة مودعة رنا وجدت نفسها تقول : 

- يا رنا ! هذا رقم هاتفي تكلمي معي مساءً ، وأخبريني عن حال أختك الصغيرة ،


وفي المساء رن جرس الهاتف ، وكانت رنا على الطرف تبكي بمرارة ... سألتها المدرسة : خير طمنيني ..!! 

وانطلق صوتها محشرجاً ...

- يا آنستي أختي ماتت ..!!!

- يا إلهي ماذا تقولين ؟

وراحت تخفف عن رنا مصابها .

- طولي بالك يا رنا واصبري لعل الله سبحانه وتعالى يريد أن يخفف عنك ، ولا يريد أن يحملك عبء أختك الصغيرة . وعاد صوت رنا صارخاً خلال نشيج بكائها : 

- ليست أختي الصغيرة التي ماتت ،  وإنما أختي تلميذة الصف الخامس !! 

- شهقت المعلمة : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. كيف ؟ 

- يا آنسة لقد وقعت في المدرسة مغمياً عليها ، فأسرعوا بها إلى المشفى فماتت هناك . 

أخذت المفاجأة المعلمة ، وسكتت لحظة وتركت العنان لدموعها التي وقفت حائلاً بينها وبين الكلام ، إلى أن قطعت حبل دموعها لتقول : 

- رنا أنا قادمة إليكِ الآن ، قولي لي أين بيتكم بالضبط ؟ 

- لا يا آنسة أرجوك لا تعذبي نفسك بالمجيء ، لأننا سنذهب الآن إلى بلدتنا بعد أن يأتوا بأختي من المشفى .

- طيب حاولي أن تصبري يا بنيتي وكوني أكثر إيماناً بحكم الله. و ودعتها رنا وأغلقت الهاتف ..وهي تعلم بأن المصاب أكبر من كل مواساة ... 


وبعد أيام والمدرسة نور في طريقها إلى البيت خارجة من باب المدرسة ، وجدت رنا تهرول نحوها قائلة : مرحباً آنسة نور  

- أهلاً رنا متى جئتم من بلدتكم ؟

- البارحة آنسة .

فأخذت المعلمة تواسيها وتعزيها مخففة عنها فتقاطرت الدموع من عيني رنا .

انقبض صدر المعلمة وشعرت بعطف كبير تجاه هذه المخلوقة الصغيرة 

ووجدت نفسها تقول : يا رنا إذا كنت بحاجة إلى الدروس لتعويض ما فاتك فأنا على استعداد تام لذلك. وانتظرت أن تجيبها رنا بالإيجاب ..لكن الرد كان غير منتظر أبداً :

- لن أستطيع يا آنسة، فأنا أعمل بعد الظهر في محل لبيع الأحذية في البلدة المجاورة ،يمكن أن أترك المدرسة بعد مدة . 

صدمت المعلمة بهذا الردّ، وصرخت في وجه رنا : ماذا تقولين ؟ تتركين المدرسة .. هل جننت ؟!

- هذه هي الحقيقة يا آنستي .. فأبي في المشفى وقد أصابته أزمة قلبية لشدة حزنه على أختي، ونحن بحاجة إلى مصاريف كثيرة، وليس لنا من معيل .. فأنا بعد المدرسة أذهب لزيارة أبي في المشفى ثم أعود من هناك إلى محل بيع الأحذية. 

- ومن يبقى عند إخوتك الصغار ؟

- جاءت خالتي المتزوجة من البلدة، و ستبقى عندنا فترة من الزمن .

- استغفر الله العظيم.. أعوذ بالله من كل شر . وهي عبارة ترددها نور دائماً عندما تسمع أي خبر مزعج . وهدئت المعلمة من روع رنا وحملها على الصبر والصلاة والإيمان بمشيئة الله.            هذا ما تستطيع فعله، ثم انسحبت رنا من أمامها حزينة يائسة... 


ومرت أيام إلى أن كانت حصة فراغ الآنسة نور التي التقت فيها بزميلتها مدرسة الفنون في غرفة المدرسات ، وجلستا تتحدثان عن وضع المدرسة والطالبات .. فأتت مأساة الطالبة رنا على لسان المعلمة نور، وراحت تروي لها قصتها المحزنة باهتمام وأسى .. 

وما أن انتهت من سردها حتى أوقفتها زميلتها عن الحديث ، 

وقالت لها با استغراب : 

- ماذا تقولين يا آنسة نور .. أنا أعرف الطالبة رنا، وأعرف أهلها وهم جيراننا تقريباً ..

- إذاً أخبريني أرجوك عن حالها فأنا شديدة الحزن عليها . ضحكت مدرسة الفنون ضحكة ممزوجة بالدهشة والاستغراب :

- كل هذا الكلام الذي ذكرته عنها وعن أهلها لا أساس له من الصحة أبداً .. أبداً ... 

فأمها لم تمت ، وهي حيةٌ تُرزق ، بل هي قوية تغلب عشرة رجال، وأما أخواتها فهم طوال النهار يلعبون في الشوارع ... 


نزلت هذه الأخبار على رأس المدرسة نور كالصاعقة، وزلزلت كيانها ، و لكنها في الوقت نفسه أثلجت قلبها المحترق على هذه الفتاة ....فكم كانت تتمنى في سرها أن تكون رنا كاذبة ..

وبينما هي في حيرة من أمرها، وإذ بزميلتها تهب مسرعة إلى الخارج وتعود ومعها احدى الطالبات قائلة : 

- هذه رفيقة رنا وحارتها وتلازمها في البيت والمدرسة ... اسأليها عن رنا إذا كنت غير مصدقة كلامي ..

- قولي يا شاطرة أم رنا حية أم ميتة ؟ أختها ميتة ؟ أبوها في المشفى .. رنا تعمل في المحل ؟؟؟؟ - 

- كلا..آنسة .. لا والله العظيم، هذا كله غير صحيح ..  

فقالت نور : أعوذ بالله .. ماذا أسمع أنا؟

أرجو أن يكون كل ما قلته صحيحاً . 

فأجابتها زميلتها بمزيج من حماسة والاستغراب :

- لا تزالين غير مصدقة ؟ سأتيك بأهلها وإخوتها لتصدقي !

- نعم نعم صدقت صدقت .. ولكن لماذا كانت تكذب هذه الفتاة يا ربي ...؟؟ ولمَ اخترعت كل هذه القصص وكيف حبكتها ؟؟ ما هدفها من وراء ذلك كله ؟ 

فكرت بالأسباب والدوافع ولم تصل إلى نتيجة .!! 

ومن يومها لم تلمح الطالبة رنا ، ولم تحاول حتى أن تسأل عنها ، واكتفت بالندم على تلك الأيام التي قضتها حزينة كئيبة تذرف الدموع على قصة كاذبة  كانت من وحي خيال مريض ...

 كتابة : علي الفروح (بتصرف) 

للكاتبة السورية : #هند_الخوري #مجلة_بناة_الأجيال-العدد ٢٨- ١٩٩٨م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قصيدة داهباً كالبرق

القاص اللبناني كرم ملحم كرم

المشاعر الإنسانية عند مجنون ليلى