نظام الحسبة في الإسلام

نظام الحسبة في الإسلام
#علي_فروح

1) منابعها وأصولها :

الحسبة هي وظيفة مبتدعة في العصور الإسلامية وقد تطورت كثيراً، فكانت بين سلطة القضاء وسلطة التنفيذ.

أصل اللفظ، اللغوي معناه : الإحصاء العددي.
تصريف اللفظ : حسبَ يحسبُ حسبةً وحسباناً ...
وهو يدل أيضاً على حسن تدبير الأمور وحسن النظر فيها.
وتاريخ الحسبة في الإسلام يرجع إلى عهد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين رأه الناس يضرب جمالاً ويقول له : ” حملّتَ جَملك ما يطيق"، وحين رأه الناس أيضاً يضرب التجار إذا اجتمعوا في السوق حين يبعدهم عن طريق المارة، ويقول لهم ” لا تقطعوا علينا سابلتنا “ .

ومن هذا يتضح أنه كان من واجب الخليفة من يحيدون عن مبدأ الرفق بالحيوان ومن يتسببون في تعطيل حركة المرور ... وهذه الأعمال يقوم بها في عصرنا هذا جمعيات الرفق بالحيوان ورجال الشرطة.
حيث كان يقوم بها الخليفة في أول الأمر ثم صارت من واجب القاضي، ولما كثرت وتنوعت. عين للقيام بها موظف خاص سمي (والي الحسبة)،وسماه المتأخرون (المحتسب) يعني : القائم على الأمور التي يتعلق بها النظام العام والذي يقضي في الجنايات التي تتطلب البت بسرعة مثل (قاضي الامور المستعجلة) في أيامنا.

وفي بعض الأحيان كان القضاء والحسبة يسندان إلى رجل واحد مابين العملين من التباين.
فعمل القاضي مبني على التحقيق والأناة في الحكم..
وعمل المحتسب مبني على الشدة والسرعة في الفصل.
وقد كتب في الحسبة كتّاب كثيرون..

قال ابن القيم-رحمه الله- قي كتابه ” الطرق الحكمية “ :
” وأما الحكم بين الناس فيما لا يتوقف على الدعوى فهو المسمى بالحسبة، والمتولي له : ( والي الحسبة)  “


2) - مهام المحتسب ومكانته  :

كان للمحتسب نواب له يطوفون في الأسواق، ويفتشون أماكن النُزلاء العامة، ويشرفون على (السقائين) للتحقيق من تغطيتهم القِرب ولبس السراويل.
كما كان للمحتسب وأعوانه أن يمنعوا بروز الحوانيت حتى لا تعوق نظام المرور، وكان له أن يمنع الناس من حمل أو تحميل ما يزيد عن الطاقة،
وكان له أن يشرف على نظافة الشوارع والأزقة، ويحكم بهدم المباني المتداعية، وإزالة أنقاضها .
ومنع معلمي الكتاب من ضرب الأولاد ضرباً مبرحاً.
كما كان له الكشف عن صحة الموازين والمكاييل، وذلك بواسطة فحص كل ميزان أو كيل في مكان يعرف باسم (دار العيار) .أما مكان الحسبة فهو (المسجد) في أغلب العصور.

تمتع المحتسب - عبر العصور - بنفوذ كبير وسلطة واسعة. ومما ذكره (المقريزي) رحمه الله :
” أن المحتسب ضبط في أحد أسواق القاهرة في القرن السادس من شهر رمضان سنة 743 ھ، رجلاً يدعى محمد بن خلف، عند مخزن حمام و زرازير متغيرة الرائحة لها خمسون يوماً، كشف عنها المحتسب فبلغت عدتها(34.196) أربعة وثلاثين ألفاً ومئة وستة وتسعون طائراً، من ذلك الحمام (1.196) ألفٌ ومئة وستة وتسعون، والباقي زازير متغيرة اللون، فأدّبه وشهّره “ .

ولما ارتقت الحسبة واتسع نظامها أصبح للمحتسب نواب يطوفون في الشوارع والأسواق للإشراف عليها والمحافظة على الآداب العامة، على حين كان المحتسب يجلس في المسجد ويشرف على أعماله نوابه.

ووظيفة المحتسب في عصرنا الحالي تتوزع بين سلطات الدولة المختلفة :
- السلطة الدينية : تتمثل في الواعظ الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وتتمثل في المؤذن وإمام المسجد اللذين عليهما مراعة الوقت و إقامة الفريضة ...

- وزارة التربية : تتمثل في مدير المدرسة ومفتشيها من منع تطبيق العقوبات البدنية على الصغار... 

- وزارة التموين او التجارة الداخلية : تتمثل في مراقبة الأسعار والأسواق، والموازين والمكاييل، وجودة المنتج وتاريخ صنعه، لتمنع الغش والكسب الحرام .

- وزارة الداخلية : وتتمثل في مراعة حمولة السيارات والسفن لئلا يحدث ذلك كوراث قد تصيب الناس. وقد تتمثل بمفتشي الرفق بالحيوان او جمعيات الرفق بالحيوان  ..

وتتمثل بالمهندسين الذين يراقبون صلاح الطرقات للسير وأشغال الطرق والمباني السكنية والعقود في الاسواق ووضع المحال التجارية ووو...  إلخ

3)- شروط المحتسب :

- قديماً كان من شروط المحتسب- حين كان له سلطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - أن يكون فقيهاً عالماً بالخلاف : أي الوجوه المختلفة للأحكام والآراء المتباينة فيها، وهو ما نسميه اليوم (الفقه المقارن) حتى إذا صدر حكم لم يصدر عن هواه وتعصبه بل يترك للناس فسحة من التيسر.

ومن شروط المحتسب -قديماً وحديثاً - :
أن يكون عاقلاً، بصيراً، معروفاً بالعدل، وذا صرامة في الدين والحق.

والمصدر الاشتراعي لهذه الوظيفة في الإسلام قوله تعالى : « ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر »

وهذه المبدأ وإن اتفق فيه المحتسب والمتطوع إلا أنهما يفترقان في هذه الأمور :
١- ان عمل المحتسب متعين عليه بحكم الولاية
 *اما المتطوع فعمله داخل في فروض الكفاية.

٢-قيام المحتسب بعمله لا يحق له التشاغل عنه.
*اما المتطوع يؤديه فعلاً وله ان ينصرف عنه إلى غيره.

٣-أنه في مكان الاستعداء به (المدعي على  المدعي عليه)
*دون المتطوع.

٤- أن عليه (المحتسب) أن يجيب المستعدي
*المتطوع فليس عليه حتماً أن يجيبه.

٥-أن على المحتسب أن يبحث ويفحص عن المعروف الظاهر والمنكر الظاهر
*وليس للمتطوع البحث ولا الفحص.

٦- في امكان المحتسب ومن حقه أن يضع أعواناً يختارهم لعمله  .
*المتطوع فليس له ذلك 

٧- المحتسب له التعزير في المنكرات وليس له إقامة الحدود، و(التعزير) تختلف فيه الأحكام بحسب الأحوال وهو من شأن السلطان يتولاه عنه
المحتسب فيما كلف به من مراقبة وأعمال .

٨- المحتسب يتناول أجراً من بيت المال أو من الدولة أو من الجهة التي تعينه .
*ليس للمتطوع هذا الأجر .

٩- المحتسب له اجتهاده ورأيه فيما يتعلق بالعرف دون الشرع، كتنظيم مقاعد الباعة في الأسواق و مقادير الأجنحة الخارجة من الدكاكين .
* ليس هذا من شأن المتطوع بحال.

فهذه الفروق التسعة اوردها (الماوردي والفراء) بين المحتسب والمتطوع مع ما بينهما من شبه في النظر للمعروف والمنكر.

4) - المحتسب الديني :

كان للمحتسب الديني شأنٌ وايُّ شأن في الدولة الإسلامية، فقد كان له أن يأمر بالمعروف فيما يتعلق بحقوق الله وحقوق العباد.
وأهم الحقوق الإلهية :  تأدية الفرائض في أوقاتها ومراقبة العصاة والمتخلفين عن مثل الصوم والصلاة..

اما حقوق العباد : ما كان عاماً كالمرافق العامة والمعونات لمستحقيها، ورعاية أسوار البلاد القديمة ومشارفها ومساجدها..

وكان عمل المحتسب ان يرفع ذلك لولي الأمر لينظر فيه ويقوم بإصلاحه أو إنشائه لأنه أحق به وأقدر عليه.
وأما نظر المحتسب في الأمور الخاصة : كالحقوق إذا مطلت والديون إذاعة تأخرت، وليس له أن يتجاوز حده إلى إيقاع العقوبات بالماطلين والمتأخرين عن أداء الديون..

وكان للمحتسب أن ينهي عن المنكرات :
ما كان منها في حق الله تعالى : فيما يتعلق بالمخالفات في العبادات وفعل المحظورات والخروج عن قوانين المعاملات. 

او ما كان منها في حقوق العباد: مثل التعدي على حقوق الجار،  ومن واجبات المحتسب مراعاة حال الأمانة والخيانة من الصاغة و الحياكة والصباغين، وأن يتصدى لكل ما تفسد به النفوس وتخبث به الآداب.

5)- الحسبة والقضاء :

يقول الماوردي- رحمه الله - :
” إن الحسبة توافق القضاء من وجهين، وتختلف عنه من وجهين، وتزيد عليه من وجهين“ .

* أما موافقتهما لأحكام القضاء فاحد الوجهين أ: نه يجوز الاستعداء إلى المحتسب كالقاضي ثم عليه أن يسمع دعوى المستعدي -المدعي على المدعى عليه- ولكن هذا ليس في عموم الدعاوى وإنما يكون في المنكر الظاهر الذي لا يحتاج إلى صدور حكم من القاضي، بعد البينة والشهود. ومثل ذلك النظر في الكيل والميزان ومخالفة الأسعار والمطل في الدين الذي صدر به حكم من القاضي بالثبوت والقضاء.

والوجه الثاني : ان له أن يتصرف حسبما يرى الحق في جانب المدعي أو المدعى عليه ويحكم به على الفور.

* وأما مخالفتها لأحكام القضاء :
فأحد الوجهين أنه ليس للمحتسب أن يسمع الدعاوى الخارجة عن ظواهر المنكرات كالنظر مثلاً في العقود و المعاملات فليس له - أي المحتسب - أن يتعرض للحكم فيها إلا أن يرد إليه ذلك بنص صريح في توليه.  حين ذلك يجمع المحتسب بين الحسبة والقضاء..

الوجه الثاني : أن الحسبة مقصورة على الحقوق المعترف بها دون طلب البينة واليمين.

* وأما زيادتها على أحكام القضاء :
 فأحد الوجهين أنه يجوز للمحتسب أن يحكم ابتداءً فيما يراه من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر.
والوجه الثاني : وهو أمرٌ هام في

المحتسب :
هو أن للناظر في الحسبة من السلطة والقوة في التنفيذ ما ليس للقاضي، لأن الحسبة موضوعة للرهبة فلا يكون تولي المحتسب لها إلا بالمهابة والشدة من غير خرق ولا جور" .
..
خلاصة القول :
أن أمر المحتسب وأعوانه في الدولة الإسلامية أمر كان له شأن في سيرها وانتظام أمورها الدينية والدنيوية..
وقد تفرق اليوم سلطانه في الدولة الحديثة إلى عدد كبير من السلطات....

والسوال : هل الدولة اليوم تراعي في اختياره الشروط نفسها التي يختار عليها في العهود الإسلامية؟؟؟


كتابة #علي_فروح (بتصرف)
المصدر : مجلة الفيصل عدد 26 . . شعبان. 1399 ھ.  يوليو 1979 م.  صفحة 68.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قصيدة داهباً كالبرق

القاص اللبناني كرم ملحم كرم

المشاعر الإنسانية عند مجنون ليلى