الأمُّ في أدبنا المهجري
”الأمُّ“ في اللغة وذاكرة الشعر: (5)
الأم في أدبنا المهجري :
وإذا تصفحنا أدبنا المهجري نجد لوحة جميلة رائعةٌ للأم، ألوانها الحب والشوق والحنين.
فإذا ماضاق على المرء وطنه الكبير فإن الأمّ وطنه الصغير، فما حاله إذا كان مهاجراً بعيداً عن الوطن الكبير والصغير!! هذه هي حال الشاعر (القروي) الذي نظم قصيدته الرائعة التي سمّاها ” حضن الأم “ يقول عن ولادة هذه القصيدة :
« ألقيتُ يدي، على كتفيها ذات مساء وأدمنتُ النظر إلى وجهها الكريم، وقد غمرتني ابتسامتها الفائقة العذوبة بموجة ٍمن الحنان الذي لا يوصف، فتعلّقت روحي بأسباب ذلك الشعاع المنبعث من عنيها.
فقلت : بربك يا أمي لا تحوّلي بصرّكِ عني، لكأني أرى رؤية شعرية غريبة لا عهد لي يمثلها قط »
فكانت القصيدة التي يصف فيها حضن الأم على لسان شقيََّ نال كلّ مايريد بعد أن غفر ذنبه لكنّهُ لا يريد إلا حضن أمه، يقول:
أمَا ألقيت رأسَكَ فوق صدر ٍ **
حنون خافق ٍ بمحبّةِ الأمِ
فدعني من نعيم الخُلدِ إني **
نعيمي بين ذاك الصدرِ والفم ِ
و(للقروي) قصائد كثيرة في الأم، نذكر منها ؛ "فؤاد الأم “ و ” أمي“ .. التي يقول فيها :
ولو أني رزئتُ بفقد مالي **
وأصحابي وأشعاري الغوالي
فلي كنز وقاهُ الله ُ أغلى **
من التاج المرصّع باللآلي
......................
امّا روعة النظم للأم وحنانها من أدباء المهجر فتكتمل عند الشيخ (إبراهيم المنذر) وهو شاعر لبناني توفي عام 1950 وقد نظم قصيدة عنوانها ”قلب الأم" تروي أن فتىً جاهلاً أُغري بالنقود كي يأتي بفؤاد أمه، ففعل ذلك وأسرع حاملاً قلب أمه نحو الهدف؛ فتعثر وسقط القلب من يده، لكن قلب الام نادى ابنه قائلاً :
ناداهُ قلبُ الأمِ وهو معفّرٌ **
ولدي، حبيبى هل أصابكَ من ضرر..؟
فكان هذا الصوت رغم ضؤهِ **
غضب السماء على الوليد قد انهمرْ
فدرى فظيع خيانة لم يأتها **
ولدٌ سواهُ منذ تاريخ البشرْ
وارتدّ نحو القلب يغسله بما **
فاضت به عيناه من سيل العبَرْ
واستلّ خنجره ليطعن صدره**
حنقاً ويبقى عبرةً لمن اعتبرْ
ناداه قلب الأم كفّ يداً.. ولا **
تذبح فؤادي مرتين على الأثرْ
ومن خلالِ ثلجٍ ناصعٍ حنون صافٍ كصفاء قلب الأم وضؤها، الشاعر (إلياس فرحات) يتذكر أمه ورعايتها له وسهر الليالي عليه وضمّها له مخافة البرد والمرض، يقول في ذلك :
ياثلجُ قد ذكّرتني أمي **
أيام تقضي الليلَ في همّي
مشغوفة تُحار في ضمّي **
تحنو عليّ .. مخافة البردِ
أما الشاعر المهجري (جورج صيدح) فإنه يتذكر أمّه يوم العيد.. ويبكي لأنه بعيد عنها، ويتمنى لو أن رسالة ما تأتيه منها يوم العيد لتعيد له فرحته، وهذا ماعبر عنه أرق تعبير، بقوله :
يا عيدُ عدْت وأدمعي منهلة **
والقلب صوارم و رماحِ
والصدر فارقه الرجاء وقد غدا **
وكأنه بيت بلا مصباحِ
أمّاه.. ليت مع النسيم رسالةً **
تأتي.. فترجعني إلى أفراحي
ونجد الشاعر (رشيد معلوف) في قصيدة "الأمهات" يتوسل إلى الله تعالى أن تكون حياتهن هانئة مفروشة بالورد والحب لأن الجيل يسير على طريق هديهن، وهنّ كلّ الحب والصفاء فرحمة منك يارب بهنّ، يقول :
ربيّ .. سألتك باسمهنّ
أن تفرش الدنيا... لهنّ
بالورد إن سمحت يداك
وبالنفسج.. بعدَهنّ
حبُّ الحياة.. بمنّتين
وحبُّهنّ بغير منّة..
نمشي على.. أجفانهنّ
ونهتدي... بقلوبهنّ
فردوسهنّ .. و بؤسهنّ
ببسمة.. منّا وأنّه
سُمّارنا في غربة الدنيا
ربي سألتك.. رحمة
وجه السماء.. ووجههنّ
ولم تغب الأم عن الشاعر (نعمة قازان)
وهو بعيد عنها في المهجر.. فيتذكرها وقد ترقرقت دمعة حب وشوق في عينيه، يقول :
تذكّرتُ حتى همَت دمعة **
فشاهدتُ أمي في دمعتي
ولاحت لعينيّ في هالةٍ **
عموداً من الشعر في غرفتي
وقد أبدع شعراء مهجريون آخرون غير ماذكرنا سابقاً من شعراء... أمثال (جبران خليل جبران) و (ميخائيل نعيمة ) و (إيليا أبو ماضي) و (شفيق معلوف) و (رياض معلوف) و (زكي قنصل) وغيرهم ممن أبدع في هذا المجال ورفع من شأن الأم ..
يتبع... >>>
كتابة #علي_فروح ( بتصرف )
مصدر ورقي : #مجلة_بناة_الأجيال دمشق السنة 14-عدد 54 شتاء 2005 ص: 108
الأم في أدبنا المهجري :
وإذا تصفحنا أدبنا المهجري نجد لوحة جميلة رائعةٌ للأم، ألوانها الحب والشوق والحنين.
فإذا ماضاق على المرء وطنه الكبير فإن الأمّ وطنه الصغير، فما حاله إذا كان مهاجراً بعيداً عن الوطن الكبير والصغير!! هذه هي حال الشاعر (القروي) الذي نظم قصيدته الرائعة التي سمّاها ” حضن الأم “ يقول عن ولادة هذه القصيدة :
« ألقيتُ يدي، على كتفيها ذات مساء وأدمنتُ النظر إلى وجهها الكريم، وقد غمرتني ابتسامتها الفائقة العذوبة بموجة ٍمن الحنان الذي لا يوصف، فتعلّقت روحي بأسباب ذلك الشعاع المنبعث من عنيها.
فقلت : بربك يا أمي لا تحوّلي بصرّكِ عني، لكأني أرى رؤية شعرية غريبة لا عهد لي يمثلها قط »
فكانت القصيدة التي يصف فيها حضن الأم على لسان شقيََّ نال كلّ مايريد بعد أن غفر ذنبه لكنّهُ لا يريد إلا حضن أمه، يقول:
أمَا ألقيت رأسَكَ فوق صدر ٍ **
حنون خافق ٍ بمحبّةِ الأمِ
فدعني من نعيم الخُلدِ إني **
نعيمي بين ذاك الصدرِ والفم ِ
و(للقروي) قصائد كثيرة في الأم، نذكر منها ؛ "فؤاد الأم “ و ” أمي“ .. التي يقول فيها :
ولو أني رزئتُ بفقد مالي **
وأصحابي وأشعاري الغوالي
فلي كنز وقاهُ الله ُ أغلى **
من التاج المرصّع باللآلي
......................
امّا روعة النظم للأم وحنانها من أدباء المهجر فتكتمل عند الشيخ (إبراهيم المنذر) وهو شاعر لبناني توفي عام 1950 وقد نظم قصيدة عنوانها ”قلب الأم" تروي أن فتىً جاهلاً أُغري بالنقود كي يأتي بفؤاد أمه، ففعل ذلك وأسرع حاملاً قلب أمه نحو الهدف؛ فتعثر وسقط القلب من يده، لكن قلب الام نادى ابنه قائلاً :
ناداهُ قلبُ الأمِ وهو معفّرٌ **
ولدي، حبيبى هل أصابكَ من ضرر..؟
فكان هذا الصوت رغم ضؤهِ **
غضب السماء على الوليد قد انهمرْ
فدرى فظيع خيانة لم يأتها **
ولدٌ سواهُ منذ تاريخ البشرْ
وارتدّ نحو القلب يغسله بما **
فاضت به عيناه من سيل العبَرْ
واستلّ خنجره ليطعن صدره**
حنقاً ويبقى عبرةً لمن اعتبرْ
ناداه قلب الأم كفّ يداً.. ولا **
تذبح فؤادي مرتين على الأثرْ
ومن خلالِ ثلجٍ ناصعٍ حنون صافٍ كصفاء قلب الأم وضؤها، الشاعر (إلياس فرحات) يتذكر أمه ورعايتها له وسهر الليالي عليه وضمّها له مخافة البرد والمرض، يقول في ذلك :
ياثلجُ قد ذكّرتني أمي **
أيام تقضي الليلَ في همّي
مشغوفة تُحار في ضمّي **
تحنو عليّ .. مخافة البردِ
أما الشاعر المهجري (جورج صيدح) فإنه يتذكر أمّه يوم العيد.. ويبكي لأنه بعيد عنها، ويتمنى لو أن رسالة ما تأتيه منها يوم العيد لتعيد له فرحته، وهذا ماعبر عنه أرق تعبير، بقوله :
يا عيدُ عدْت وأدمعي منهلة **
والقلب صوارم و رماحِ
والصدر فارقه الرجاء وقد غدا **
وكأنه بيت بلا مصباحِ
أمّاه.. ليت مع النسيم رسالةً **
تأتي.. فترجعني إلى أفراحي
ونجد الشاعر (رشيد معلوف) في قصيدة "الأمهات" يتوسل إلى الله تعالى أن تكون حياتهن هانئة مفروشة بالورد والحب لأن الجيل يسير على طريق هديهن، وهنّ كلّ الحب والصفاء فرحمة منك يارب بهنّ، يقول :
ربيّ .. سألتك باسمهنّ
أن تفرش الدنيا... لهنّ
بالورد إن سمحت يداك
وبالنفسج.. بعدَهنّ
حبُّ الحياة.. بمنّتين
وحبُّهنّ بغير منّة..
نمشي على.. أجفانهنّ
ونهتدي... بقلوبهنّ
فردوسهنّ .. و بؤسهنّ
ببسمة.. منّا وأنّه
سُمّارنا في غربة الدنيا
ربي سألتك.. رحمة
وجه السماء.. ووجههنّ
ولم تغب الأم عن الشاعر (نعمة قازان)
وهو بعيد عنها في المهجر.. فيتذكرها وقد ترقرقت دمعة حب وشوق في عينيه، يقول :
تذكّرتُ حتى همَت دمعة **
فشاهدتُ أمي في دمعتي
ولاحت لعينيّ في هالةٍ **
عموداً من الشعر في غرفتي
وقد أبدع شعراء مهجريون آخرون غير ماذكرنا سابقاً من شعراء... أمثال (جبران خليل جبران) و (ميخائيل نعيمة ) و (إيليا أبو ماضي) و (شفيق معلوف) و (رياض معلوف) و (زكي قنصل) وغيرهم ممن أبدع في هذا المجال ورفع من شأن الأم ..
يتبع... >>>
كتابة #علي_فروح ( بتصرف )
مصدر ورقي : #مجلة_بناة_الأجيال دمشق السنة 14-عدد 54 شتاء 2005 ص: 108
تعليقات
إرسال تعليق