الأم في ذاكرة الشعر العربي الحديث
”الأمُّ“ في اللغة وذاكرة الشعر: ( 8)
الأم في الشعر العربي الحديث :
تزداد مكانة الأم في شعر الحداثة، وتكثر فيها القصائد، فهي الكلمة العذبة، وهي الانشودة السرمدية..وقد بكاها (أحمد شوقي) وعظم مكانتها : لأن الأم أساس وعماد المجتمع وهي التي تلد المناضلين.. الثوار سباع الغاب.. وترضع أبناءها حميد الأخلاق، حيث يقول :
قم ابنِ الأمهاتِ على أساس ٍ **
ولا تبن ِ الحصون.. ولا القلاعا..
فهنّ يلدّنَ للقصب المذاكي **
وهنّ يلدّنَ للغابِ السّباعا
وجدت معاني الأخلاق شتى **
جُمعْن فكنّ في اللفظِ الرَّضاعا
والشاعر (حافظ إبراهيم) يرى في الأم الحياة وأستاذة تبني المجتمع وتطوره، وتساهم في تقدمه، وتثقفه... وتصنع الشعوب والرجال، وتبني صرح الوطن عالياً، يقول :
الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها
أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ
الأُمُّ رَوضٌ إِن تَعَهَّدَهُ الحَيا
بِالرِيِّ أَورَقَ أَيَّما إيراقِ
الأُمُّ أُستاذُ الأَساتِذَةِ الأُلى
شَغَلَت مَآثِرُهُم مَدى الآفاقِ
.
وهذه الرؤية ذاتها قدمها الشاعر العراقي
(جميل صدقي الزهاوي) حيث دعا إلى بذل الجهود من أجل رقي الأمهات..ليرقى المجتمع، يقول :
ليس يرقى الأبناء في أمّة ٍ **
مالم تكن قد ترّقت الأمهات
وللشاعر (الشابي) قصيدة رائعة سمّاها ”حرم سماوي الجمال“ يضفي فيها على الأم هالة سماوية من القداسة، فهي ملاك طاهر تكتمل فيها الحياة، حيث يقول :
الأم تلثم طفلها وتضمُّه **
حرمٌ سماوي الجمال مقدّسُ
تتأله الأفكار وهي جواره **
وتعود طاهرةً هناك الأنفسُ
حرم الحياةِ بطهرها وحنانها **
هل فوقه حرم أجلُّ و أقدسُ
بوركت يا حرم الأمومةِ والصّبا **
كم فيكَ تكتمل الحياةُ وتقْدُسُ
ومن فراش الموت ومن آلام الجرح النازف دماً في جسد وقلب شاعرنا العراقي (بدر شاكر السيّاب) يعلو صراخ مؤلم، حيث يصيح الشاعر بأعلى صوته ينادي قبر أمّه علّها تسمع صوته وتستيقظ من قبرها لتلمس بيدها الحنون ساقه المشلولة المريضة، وتخفف ألامه وتشفيه، يقول :
أمَا رنّ الصّدى في قبرك المنهار من دهليز مستشفى صداي...
أصبح من غيبوبة التخدير...
أنتفض على ومض المشارط حين سفّتْ من دمي سفّا
وكم ناديتُ في أيّام سهدي...
أو لياليّه أيا أمي..
تعالَيْ والمسي ساقيّ و اشفيني
ومن قلب الأرض المحتلة (فلسطين) يأتي من السجن صوت شاعرنا (محمود درويش) يحمل الحب والشوق لأمه بحنين صارخ إلى رغيف خبز أمّه وقهوة أمّه وعطف أمّه و لمستها الحانية بعد أن كبر وهرم؛ علها ترد إليه شبابه ونجوم طفولته ليعود إلى حضن أمه، وهذا ما نشعر به في قصيدته ” هرمت فردّي نجوم الطفولة “ إذ يقول :
أحنُّ إلى خبز أمي
وقهوة.. أمي.. ولمسة أمي
وتكبر فيّ الطفولة
يوماً على صدرِ يومِ
وأعشق عمري لأني إذا متُ
أخجل من دمع أمي..
خذيني إذا عدت
وشاحاً لهدبِكِ ..
وغطي عظامي بعشبٍ
تعمّدَ من طهر كعبكِ
وشدّي وثاقي
بخصلة شعرٍ
هرمتُ فردّي نجوم الطفولة..
حتى أشارك
صغار العصافير
درب الرجوع
لعشََّ انتظاركْ
والشاعرة السورية (هند هارون) في مجموعتها الشعرية (عمّار في ضمير الأمومة) تقول بلسان الأم موضحةً حبها ولهفتها لوليدها وما تقدمه له.. فهي تتكلم بلسان الأمهات جميعاً أولئك اللواتي يسري في شرايينهنّ نبع الحنان.. وتذكر الأبناء بجذورهم.. الأمهات.. تقول :
رفيف الحبّ يا ولدي ** حنان الأم في الكبدِ
زرعت النور في عيني ** زرعت الخوف في سهدي
تذكّرْ أنني الجذر ** الذي أنماكَ يا ولدي
ويتحول حنان الأم الطاهر إلى روح صلبةٍ مقاتلة ثائرة... تلك الأم التي ترى أن الوطن بحاجة إلى أبنائه.. فما أروع الامهات العربيات المناضلات اللواتي حوّلن أغاريد العرس إلى آغاريدَ شهادة.. وقد استطاع الشاعر السوري (عبد الرحيم الحصني) في مجموعته (أمواج) أن يصوّر هذه الحالة... ففي قصيدته ” رسالة من أم مشوقة لولدها “ يقول و على لسان الأم :
أساهرُ فيكَ النجمَ والصبُّ يسهرُ ** و أسأل فيكَ اللّيل والدّمع أحمرُ
و أقتاتُ من هميَّ و أشربُ أدمعي ** و أحملُ عبء الثاكلات و أصبرُ
و ما رؤيتي يوماً زفافكَ حافِلاً ** عليكَ أزاهير المحبّةِ تنثرُ
بأجملَ عندي من نهوضكَ ثائراً ** يشقُّ جموع الغاصبين ويدحرُ
والشاعر السوري (سليمان العيسى) شاعر الطفولة والوطن يعود بذكرياته إلى طفولته صغيراً.. يتذكر أمه.. النغم العذب الذي يملأ قلبه حباً.. صوتها.. بسمتها.. يدها الحانية على شعره.. يصوغ قصيدة شعرية غنائية للأطفال وهم يرددون كلمة (ماما) ..
يزرع من خلال كلماته حباً في نفوس الأطفال الصغار لا يُنسى أبدًا .. ويكبر معهم.. ويردده الكبار أيضاً، يقول :
ماما.. ماما يا أنغاما
تملأ قلبي بندى الحُبَّ
أنتِ .. نشيدي
عيدُكِ .. عيدي
سر.. وجودي
أنا عصفور ملء الدار
بسمة أمي ضوء نهاري
ماما توقظني في الفجر
بيدها الحلوة تمسح شعري
أهوى ماما.. أفدي ماما
والأم عند شاعرنا الدمشقي (نزار قبانى)
في قصيدته ” خمس رسائل إلى أمي “ تتحول إلى قديسة حلوة؛ يبحث عنها في غربته ولواعج الشوق والحنين تعصر قلبه.. فيحنُّ إلى أمه... إلى يدها وهي تمشط شعره الأشقر.. متذكراً لفافة الخبز ” عروسة السكر“ التي كان يأكلها في صغره، يقول مخاطباً أمّه :
صباح الخير يا أمي..
على الولد الذي أبحر
وخبّأ بين جفنيه
صباح بلاده الأخضر
صباح الخير يا حلوة
صباح الخير ياقديستي الحُلوَة
مضى عامان.. يا أمي
على الولد الذي أبحر..
برحلته الخرافية
عرفت نساء أوروبا
عرفت حضارة التعب
وطفت الهند.. طفت السند
طفت العالم الأصفر
ولم أعثر على امرأةٍ
تمشطُّ شعري الأشقر
أيا أمي انا الولد الذي أبحر
ولا زالت بخاطرِهِ
تعيش (عروسة السكّرْ.. )
كتابة #علي_فروح ( بتصرف )
مصدر ورقي : #مجلة_بناة_الأجيال دمشق السنة 14-عدد 54 شتاء 2005 ص: 108
......................
الأم في الشعر العربي الحديث :
تزداد مكانة الأم في شعر الحداثة، وتكثر فيها القصائد، فهي الكلمة العذبة، وهي الانشودة السرمدية..وقد بكاها (أحمد شوقي) وعظم مكانتها : لأن الأم أساس وعماد المجتمع وهي التي تلد المناضلين.. الثوار سباع الغاب.. وترضع أبناءها حميد الأخلاق، حيث يقول :
قم ابنِ الأمهاتِ على أساس ٍ **
ولا تبن ِ الحصون.. ولا القلاعا..
فهنّ يلدّنَ للقصب المذاكي **
وهنّ يلدّنَ للغابِ السّباعا
وجدت معاني الأخلاق شتى **
جُمعْن فكنّ في اللفظِ الرَّضاعا
والشاعر (حافظ إبراهيم) يرى في الأم الحياة وأستاذة تبني المجتمع وتطوره، وتساهم في تقدمه، وتثقفه... وتصنع الشعوب والرجال، وتبني صرح الوطن عالياً، يقول :
الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها
أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ
الأُمُّ رَوضٌ إِن تَعَهَّدَهُ الحَيا
بِالرِيِّ أَورَقَ أَيَّما إيراقِ
الأُمُّ أُستاذُ الأَساتِذَةِ الأُلى
شَغَلَت مَآثِرُهُم مَدى الآفاقِ
.
وهذه الرؤية ذاتها قدمها الشاعر العراقي
(جميل صدقي الزهاوي) حيث دعا إلى بذل الجهود من أجل رقي الأمهات..ليرقى المجتمع، يقول :
ليس يرقى الأبناء في أمّة ٍ **
مالم تكن قد ترّقت الأمهات
وللشاعر (الشابي) قصيدة رائعة سمّاها ”حرم سماوي الجمال“ يضفي فيها على الأم هالة سماوية من القداسة، فهي ملاك طاهر تكتمل فيها الحياة، حيث يقول :
الأم تلثم طفلها وتضمُّه **
حرمٌ سماوي الجمال مقدّسُ
تتأله الأفكار وهي جواره **
وتعود طاهرةً هناك الأنفسُ
حرم الحياةِ بطهرها وحنانها **
هل فوقه حرم أجلُّ و أقدسُ
بوركت يا حرم الأمومةِ والصّبا **
كم فيكَ تكتمل الحياةُ وتقْدُسُ
ومن فراش الموت ومن آلام الجرح النازف دماً في جسد وقلب شاعرنا العراقي (بدر شاكر السيّاب) يعلو صراخ مؤلم، حيث يصيح الشاعر بأعلى صوته ينادي قبر أمّه علّها تسمع صوته وتستيقظ من قبرها لتلمس بيدها الحنون ساقه المشلولة المريضة، وتخفف ألامه وتشفيه، يقول :
أمَا رنّ الصّدى في قبرك المنهار من دهليز مستشفى صداي...
أصبح من غيبوبة التخدير...
أنتفض على ومض المشارط حين سفّتْ من دمي سفّا
وكم ناديتُ في أيّام سهدي...
أو لياليّه أيا أمي..
تعالَيْ والمسي ساقيّ و اشفيني
ومن قلب الأرض المحتلة (فلسطين) يأتي من السجن صوت شاعرنا (محمود درويش) يحمل الحب والشوق لأمه بحنين صارخ إلى رغيف خبز أمّه وقهوة أمّه وعطف أمّه و لمستها الحانية بعد أن كبر وهرم؛ علها ترد إليه شبابه ونجوم طفولته ليعود إلى حضن أمه، وهذا ما نشعر به في قصيدته ” هرمت فردّي نجوم الطفولة “ إذ يقول :
أحنُّ إلى خبز أمي
وقهوة.. أمي.. ولمسة أمي
وتكبر فيّ الطفولة
يوماً على صدرِ يومِ
وأعشق عمري لأني إذا متُ
أخجل من دمع أمي..
خذيني إذا عدت
وشاحاً لهدبِكِ ..
وغطي عظامي بعشبٍ
تعمّدَ من طهر كعبكِ
وشدّي وثاقي
بخصلة شعرٍ
هرمتُ فردّي نجوم الطفولة..
حتى أشارك
صغار العصافير
درب الرجوع
لعشََّ انتظاركْ
والشاعرة السورية (هند هارون) في مجموعتها الشعرية (عمّار في ضمير الأمومة) تقول بلسان الأم موضحةً حبها ولهفتها لوليدها وما تقدمه له.. فهي تتكلم بلسان الأمهات جميعاً أولئك اللواتي يسري في شرايينهنّ نبع الحنان.. وتذكر الأبناء بجذورهم.. الأمهات.. تقول :
رفيف الحبّ يا ولدي ** حنان الأم في الكبدِ
زرعت النور في عيني ** زرعت الخوف في سهدي
تذكّرْ أنني الجذر ** الذي أنماكَ يا ولدي
ويتحول حنان الأم الطاهر إلى روح صلبةٍ مقاتلة ثائرة... تلك الأم التي ترى أن الوطن بحاجة إلى أبنائه.. فما أروع الامهات العربيات المناضلات اللواتي حوّلن أغاريد العرس إلى آغاريدَ شهادة.. وقد استطاع الشاعر السوري (عبد الرحيم الحصني) في مجموعته (أمواج) أن يصوّر هذه الحالة... ففي قصيدته ” رسالة من أم مشوقة لولدها “ يقول و على لسان الأم :
أساهرُ فيكَ النجمَ والصبُّ يسهرُ ** و أسأل فيكَ اللّيل والدّمع أحمرُ
و أقتاتُ من هميَّ و أشربُ أدمعي ** و أحملُ عبء الثاكلات و أصبرُ
و ما رؤيتي يوماً زفافكَ حافِلاً ** عليكَ أزاهير المحبّةِ تنثرُ
بأجملَ عندي من نهوضكَ ثائراً ** يشقُّ جموع الغاصبين ويدحرُ
والشاعر السوري (سليمان العيسى) شاعر الطفولة والوطن يعود بذكرياته إلى طفولته صغيراً.. يتذكر أمه.. النغم العذب الذي يملأ قلبه حباً.. صوتها.. بسمتها.. يدها الحانية على شعره.. يصوغ قصيدة شعرية غنائية للأطفال وهم يرددون كلمة (ماما) ..
يزرع من خلال كلماته حباً في نفوس الأطفال الصغار لا يُنسى أبدًا .. ويكبر معهم.. ويردده الكبار أيضاً، يقول :
ماما.. ماما يا أنغاما
تملأ قلبي بندى الحُبَّ
أنتِ .. نشيدي
عيدُكِ .. عيدي
سر.. وجودي
أنا عصفور ملء الدار
بسمة أمي ضوء نهاري
ماما توقظني في الفجر
بيدها الحلوة تمسح شعري
أهوى ماما.. أفدي ماما
والأم عند شاعرنا الدمشقي (نزار قبانى)
في قصيدته ” خمس رسائل إلى أمي “ تتحول إلى قديسة حلوة؛ يبحث عنها في غربته ولواعج الشوق والحنين تعصر قلبه.. فيحنُّ إلى أمه... إلى يدها وهي تمشط شعره الأشقر.. متذكراً لفافة الخبز ” عروسة السكر“ التي كان يأكلها في صغره، يقول مخاطباً أمّه :
صباح الخير يا أمي..
على الولد الذي أبحر
وخبّأ بين جفنيه
صباح بلاده الأخضر
صباح الخير يا حلوة
صباح الخير ياقديستي الحُلوَة
مضى عامان.. يا أمي
على الولد الذي أبحر..
برحلته الخرافية
عرفت نساء أوروبا
عرفت حضارة التعب
وطفت الهند.. طفت السند
طفت العالم الأصفر
ولم أعثر على امرأةٍ
تمشطُّ شعري الأشقر
أيا أمي انا الولد الذي أبحر
ولا زالت بخاطرِهِ
تعيش (عروسة السكّرْ.. )
كتابة #علي_فروح ( بتصرف )
مصدر ورقي : #مجلة_بناة_الأجيال دمشق السنة 14-عدد 54 شتاء 2005 ص: 108
......................
تعليقات
إرسال تعليق