الأمّ في اللغة وذاكرة الشعر (حتى الجزء ااسادس)
”الأمُّ“ في اللغة وذاكرة الشعر: (4)
الأم في الشعر العربي في العصر الوسيط :
إن المرأة في الشعر العربي أماً وزوجةً و بنتاً.. تألقت على صفحات الشعر العربي الحديث..
وإذا ما تصفحنا دواوين الشعر العربي سنجد الذكر القليل الذي لا يليق بمكانة الأم..
وذلك مقارنة مع أشعار العرب الكثيرة في سائر الموضوعات الاخرى...
حيث أن الأم، مع كل أسف تغيب عن الشعر العربي القديم على الرغم من غزارته.. وغِنى موضوعاته..ماعدا فئة قليلة من الشعراء القدامى..مثل (أبي فراس الحمداني)
و (أبي العلاء المعري) و(الشريف الرضي)
و(ابن سناء الملك) وغيرهم ..
فالشاعر (أبو فراس الحمداني) في قصيدته
” ام الأسير “ يتذكر أمه وهو بعيد عنها في بلاد الروم، ويحزن عليها وقد بلغه خبر وفاتها وهو أسير.. فيرثيها باكياً.. داعياً لها بالسقيا والخير متذكراً دعواها له؛ مبيناً حزنه وألمه على فراقها.. ذاكراً فضلها، يقول :
أيا أمّ الأسير سقاكِ غيث..
بكرهٍ منكِ ما لقي الأسيرُ
يا أمّ الأسير سقاكِ غيث...
إلى مَنْ بالفدا يأتي البشي
إذا ابنُكِ سار في برٍ وبحرٍ ..
فمن يدعو له.. أو يستجير
حرامٌ أن يبيت قرير عين..
ولؤمٌ أن يُلمّ به السرور
لَيْبكِكِ كلُّ ليلٍ قُمتِ فيه..
إلى أن يبتدي الفجرُ المنير
إلى من أشتكي ولمن أناجي..
إذا ضاقت بما فيها الصدور
.
و(ابو العلاء المعري) لم ينسى تكريم الأم وهي الأولى بالتكريم والإحسان إليها؛ لأن فضلها كبير لايضاهيه فضل، فيقول :
العيش ماضٍ فأكرم والديك به**
والأمُّ أولى بإكرام وإحسان ٍ
وحسبها الحمل والإرضاع.. تدفعه
أمران بالفضل نالا كلّ إنسان
ولعل قصيدة (رثاء أمّ) (الشريف الرضي)
-شاعر الرقة والعذوبة - تمثل بصدق الحب الممزوج بالألم و البكاء..فالشاعر يبكي أمه كثيراً.. وكان يتمنى أن يكون فداءً لها.. فماتت فداءه، حيث يقول :
أبكيكِ لو نقع الغليل بكائي **
وَأقُولُ لَوْ ذَهَبَ المَقالُ بِدائي
وَأعُوذُ بالصّبْرِ الجَميلِ تَعَزّياً
لَوْ كَانَ بالصّبْرِ الجَميلِ عَزائي
طوراً تُكاثرني الهموم، وتارةً
أوي إلى أكرومتي... وحياتي
ما كنت اذخر في فداك رغيبة
لو كان يرجع ميت بفداءِ
فارقت فيك تماسُكي وتجلّدي
ونسيتُ فيك تعززي وإبائي
قَدْ كُنتُ آمُلُ أنْ أكونَ لكِ الفِدا
مِمّا ألَمّ، فكُنتِ أنْتِ فِدائي
وَتَفَرُّقُ البُعَداءِ بَعْدَ مَوَدَّة ٍ
صعب فكيف تفرق القرباءِ
لو كان مثلك كلّ أمٰ بَرّة
غَنِيَ البنون بها عن الآباء
رُزان يزدادان طول تجدُّد
أبدَ الزمان، فناؤها وبقائي
لو كان يُبْلغك الصفيح رسائلي
أو كان يُسمعكِ الترابُ ندائي
لسمعتِ طولَ تأوُّهي وتَفَجُّعي
وعلمتِ حُسن رعايتي ووفائي
.................
”الأمُّ“ في اللغة وذاكرة الشعر: (5)
أ) الأم في أدبنا المهجري :
وإذا تصفحنا أدبنا المهجري نجد لوحة جميلة رائعةٌ للأم، ألوانها الحب والشوق والحنين.
فإذا ماضاق على المرء وطنه الكبير فإن الأمّ وطنه الصغير، فما حاله إذا كان مهاجراً بعيداً عن الوطن الكبير والصغير!! هذه هي حال الشاعر (القروي) الذي نظم قصيدته الرائعة التي سمّاها ” حضن الأم “ يقول عن ولادة هذه القصيدة :
« ألقيتُ يدي، على كتفيها ذات مساء وأدمنتُ النظر إلى وجهها الكريم، وقد غمرتني ابتسامتها الفائقة العذوبة بموجة ٍمن الحنان الذي لا يوصف، فتعلّقت روحي بأسباب ذلك الشعاع المنبعث من عنيها.
فقلت : بربك يا أمي لا تحوّلي بصرّكِ عني، لكأني أرى رؤية شعرية غريبة لا عهد لي يمثلها قط »
فكانت القصيدة التي يصف فيها حضن الأم على لسان شقيََّ نال كلّ مايريد بعد أن غفر ذنبه لكنّهُ لا يريد إلا حضن أمه، يقول:
أمَا ألقيت رأسَكَ فوق صدر ٍ **
حنون خافق ٍ بمحبّةِ الأمِ
فدعني من نعيم الخُلدِ إني **
نعيمي بين ذاك الصدرِ والفم ِ
و(للقروي) قصائد كثيرة في الأم، نذكر منها ؛ "فؤاد الأم “ و ” أمي“ .. التي يقول فيها :
ولو أني رزئتُ بفقد مالي **
وأصحابي وأشعاري الغوالي
فلي كنز وقاهُ الله ُ أغلى **
من التاج المرصّع باللآلي
......................
”الأمُّ“ في اللغة وذاكرة الشعر: (6)
ب) الأم في أدبنا المهجري :
امّا روعة النظم للأم وحنانها من أدباء المهجر فتكتمل عند الشيخ (إبراهيم المنذر) وهو شاعر لبناني توفي عام 1950 وقد نظم قصيدة عنوانها ”قلب الأم" تروي أن فتىً جاهلاً أُغري بالنقود كي يأتي بفؤاد أمه، ففعل ذلك وأسرع حاملاً قلب أمه نحو الهدف؛ فتعثر وسقط القلب من يده، لكن قلب الام نادى ابنه قائلاً :
ناداهُ قلبُ الأمِ وهو معفّرٌ **
ولدي، حبيبى هل أصابكَ من ضرر..؟
فكان هذا الصوت رغم ضؤهِ **
غضب السماء على الوليد قد انهمرْ
فدرى فظيع خيانة لم يأتها **
ولدٌ سواهُ منذ تاريخ البشرْ
وارتدّ نحو القلب يغسله بما **
فاضت به عيناه من سيل العبَرْ
واستلّ خنجره ليطعن صدره**
حنقاً ويبقى عبرةً لمن اعتبرْ
ناداه قلب الأم كفّ يداً.. ولا **
تذبح فؤادي مرتين على الأثرْ
ومن خلالِ ثلجٍ ناصعٍ حنون صافٍ كصفاء قلب الأم وضؤها، الشاعر (إلياس فرحات) يتذكر أمه ورعايتها له وسهر الليالي عليه وضمّها له مخافة البرد والمرض، يقول في ذلك :
ياثلجُ قد ذكّرتني أمي **
أيام تقضي الليلَ في همّي
مشغوفة تُحار في ضمّي **
تحنو عليّ .. مخافة البردِ
أما الشاعر المهجري (جورج صيدح) فإنه يتذكر أمّه يوم العيد.. ويبكي لأنه بعيد عنها، ويتمنى لو أن رسالة ما تأتيه منها يوم العيد لتعيد له فرحته، وهذا ماعبر عنه أرق تعبير، بقوله :
يا عيدُ عدْت وأدمعي منهلة **
والقلب صوارم و رماحِ
والصدر فارقه الرجاء وقد غدا **
وكأنه بيت بلا مصباحِ
أمّاه.. ليت مع النسيم رسالةً **
تأتي.. فترجعني إلى أفراحي
يتبع... >>>>
كتابة #علي_فروح ( بتصرف )
مصدر ورقي : #مجلة_بناة_الأجيال دمشق السنة 14-عدد 54 شتاء 2005 ص: 108
الأم في الشعر العربي في العصر الوسيط :
إن المرأة في الشعر العربي أماً وزوجةً و بنتاً.. تألقت على صفحات الشعر العربي الحديث..
وإذا ما تصفحنا دواوين الشعر العربي سنجد الذكر القليل الذي لا يليق بمكانة الأم..
وذلك مقارنة مع أشعار العرب الكثيرة في سائر الموضوعات الاخرى...
حيث أن الأم، مع كل أسف تغيب عن الشعر العربي القديم على الرغم من غزارته.. وغِنى موضوعاته..ماعدا فئة قليلة من الشعراء القدامى..مثل (أبي فراس الحمداني)
و (أبي العلاء المعري) و(الشريف الرضي)
و(ابن سناء الملك) وغيرهم ..
فالشاعر (أبو فراس الحمداني) في قصيدته
” ام الأسير “ يتذكر أمه وهو بعيد عنها في بلاد الروم، ويحزن عليها وقد بلغه خبر وفاتها وهو أسير.. فيرثيها باكياً.. داعياً لها بالسقيا والخير متذكراً دعواها له؛ مبيناً حزنه وألمه على فراقها.. ذاكراً فضلها، يقول :
أيا أمّ الأسير سقاكِ غيث..
بكرهٍ منكِ ما لقي الأسيرُ
يا أمّ الأسير سقاكِ غيث...
إلى مَنْ بالفدا يأتي البشي
إذا ابنُكِ سار في برٍ وبحرٍ ..
فمن يدعو له.. أو يستجير
حرامٌ أن يبيت قرير عين..
ولؤمٌ أن يُلمّ به السرور
لَيْبكِكِ كلُّ ليلٍ قُمتِ فيه..
إلى أن يبتدي الفجرُ المنير
إلى من أشتكي ولمن أناجي..
إذا ضاقت بما فيها الصدور
.
و(ابو العلاء المعري) لم ينسى تكريم الأم وهي الأولى بالتكريم والإحسان إليها؛ لأن فضلها كبير لايضاهيه فضل، فيقول :
العيش ماضٍ فأكرم والديك به**
والأمُّ أولى بإكرام وإحسان ٍ
وحسبها الحمل والإرضاع.. تدفعه
أمران بالفضل نالا كلّ إنسان
ولعل قصيدة (رثاء أمّ) (الشريف الرضي)
-شاعر الرقة والعذوبة - تمثل بصدق الحب الممزوج بالألم و البكاء..فالشاعر يبكي أمه كثيراً.. وكان يتمنى أن يكون فداءً لها.. فماتت فداءه، حيث يقول :
أبكيكِ لو نقع الغليل بكائي **
وَأقُولُ لَوْ ذَهَبَ المَقالُ بِدائي
وَأعُوذُ بالصّبْرِ الجَميلِ تَعَزّياً
لَوْ كَانَ بالصّبْرِ الجَميلِ عَزائي
طوراً تُكاثرني الهموم، وتارةً
أوي إلى أكرومتي... وحياتي
ما كنت اذخر في فداك رغيبة
لو كان يرجع ميت بفداءِ
فارقت فيك تماسُكي وتجلّدي
ونسيتُ فيك تعززي وإبائي
قَدْ كُنتُ آمُلُ أنْ أكونَ لكِ الفِدا
مِمّا ألَمّ، فكُنتِ أنْتِ فِدائي
وَتَفَرُّقُ البُعَداءِ بَعْدَ مَوَدَّة ٍ
صعب فكيف تفرق القرباءِ
لو كان مثلك كلّ أمٰ بَرّة
غَنِيَ البنون بها عن الآباء
رُزان يزدادان طول تجدُّد
أبدَ الزمان، فناؤها وبقائي
لو كان يُبْلغك الصفيح رسائلي
أو كان يُسمعكِ الترابُ ندائي
لسمعتِ طولَ تأوُّهي وتَفَجُّعي
وعلمتِ حُسن رعايتي ووفائي
.................
”الأمُّ“ في اللغة وذاكرة الشعر: (5)
أ) الأم في أدبنا المهجري :
وإذا تصفحنا أدبنا المهجري نجد لوحة جميلة رائعةٌ للأم، ألوانها الحب والشوق والحنين.
فإذا ماضاق على المرء وطنه الكبير فإن الأمّ وطنه الصغير، فما حاله إذا كان مهاجراً بعيداً عن الوطن الكبير والصغير!! هذه هي حال الشاعر (القروي) الذي نظم قصيدته الرائعة التي سمّاها ” حضن الأم “ يقول عن ولادة هذه القصيدة :
« ألقيتُ يدي، على كتفيها ذات مساء وأدمنتُ النظر إلى وجهها الكريم، وقد غمرتني ابتسامتها الفائقة العذوبة بموجة ٍمن الحنان الذي لا يوصف، فتعلّقت روحي بأسباب ذلك الشعاع المنبعث من عنيها.
فقلت : بربك يا أمي لا تحوّلي بصرّكِ عني، لكأني أرى رؤية شعرية غريبة لا عهد لي يمثلها قط »
فكانت القصيدة التي يصف فيها حضن الأم على لسان شقيََّ نال كلّ مايريد بعد أن غفر ذنبه لكنّهُ لا يريد إلا حضن أمه، يقول:
أمَا ألقيت رأسَكَ فوق صدر ٍ **
حنون خافق ٍ بمحبّةِ الأمِ
فدعني من نعيم الخُلدِ إني **
نعيمي بين ذاك الصدرِ والفم ِ
و(للقروي) قصائد كثيرة في الأم، نذكر منها ؛ "فؤاد الأم “ و ” أمي“ .. التي يقول فيها :
ولو أني رزئتُ بفقد مالي **
وأصحابي وأشعاري الغوالي
فلي كنز وقاهُ الله ُ أغلى **
من التاج المرصّع باللآلي
......................
”الأمُّ“ في اللغة وذاكرة الشعر: (6)
ب) الأم في أدبنا المهجري :
امّا روعة النظم للأم وحنانها من أدباء المهجر فتكتمل عند الشيخ (إبراهيم المنذر) وهو شاعر لبناني توفي عام 1950 وقد نظم قصيدة عنوانها ”قلب الأم" تروي أن فتىً جاهلاً أُغري بالنقود كي يأتي بفؤاد أمه، ففعل ذلك وأسرع حاملاً قلب أمه نحو الهدف؛ فتعثر وسقط القلب من يده، لكن قلب الام نادى ابنه قائلاً :
ناداهُ قلبُ الأمِ وهو معفّرٌ **
ولدي، حبيبى هل أصابكَ من ضرر..؟
فكان هذا الصوت رغم ضؤهِ **
غضب السماء على الوليد قد انهمرْ
فدرى فظيع خيانة لم يأتها **
ولدٌ سواهُ منذ تاريخ البشرْ
وارتدّ نحو القلب يغسله بما **
فاضت به عيناه من سيل العبَرْ
واستلّ خنجره ليطعن صدره**
حنقاً ويبقى عبرةً لمن اعتبرْ
ناداه قلب الأم كفّ يداً.. ولا **
تذبح فؤادي مرتين على الأثرْ
ومن خلالِ ثلجٍ ناصعٍ حنون صافٍ كصفاء قلب الأم وضؤها، الشاعر (إلياس فرحات) يتذكر أمه ورعايتها له وسهر الليالي عليه وضمّها له مخافة البرد والمرض، يقول في ذلك :
ياثلجُ قد ذكّرتني أمي **
أيام تقضي الليلَ في همّي
مشغوفة تُحار في ضمّي **
تحنو عليّ .. مخافة البردِ
أما الشاعر المهجري (جورج صيدح) فإنه يتذكر أمّه يوم العيد.. ويبكي لأنه بعيد عنها، ويتمنى لو أن رسالة ما تأتيه منها يوم العيد لتعيد له فرحته، وهذا ماعبر عنه أرق تعبير، بقوله :
يا عيدُ عدْت وأدمعي منهلة **
والقلب صوارم و رماحِ
والصدر فارقه الرجاء وقد غدا **
وكأنه بيت بلا مصباحِ
أمّاه.. ليت مع النسيم رسالةً **
تأتي.. فترجعني إلى أفراحي
يتبع... >>>>
كتابة #علي_فروح ( بتصرف )
مصدر ورقي : #مجلة_بناة_الأجيال دمشق السنة 14-عدد 54 شتاء 2005 ص: 108
تعليقات
إرسال تعليق